الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

230

مناهل العرفان في علوم القرآن

الشبهة السادسة يقولون : إن القرآن في قسمه المكي قد خلا من الأدلة والبراهين ، بخلاف قسمه المدني فإنه ملىء بالأدلة ، مدعّم بالحجة ، وهذا برهان جديد على تأثّر القرآن بالوسط الذي كان فيه محمد ! وننقض شبهتهم ( أولا ) بما أسلفنا من أن القرآن لو كان نتيجة تأثر محمد بالوسط الذي يعيش فيه ، لكان الوسط أولى بتوجيه هذا المطعن عليه ، ولكان أعرف بهذا النقص فيه ، فيظفر عليه ويدخل إلى إبطال دعوته من هذا الباب الواسع لا سيما أن الرسول في مكة والمدينة كان له أعداء ألدّاء ، ليس لعداوتهم دواء . ( ثانيا ) أنه لو صحّ هذا لبطلت نبوّته ، ولصح أن تكون النبوّة لهم باعتبار أنهم مصدرها ، وأنهم أساتذته فيها . وهذا النقض يقال في ردّ شبهاتهم الماضية الساقطة ، التي تدل على فساد فطرتهم ، وعلى مقدار تبجّحهم وتجنّيهم على الحقيقة والتاريخ والاستخفاف بعقول الناس . ( ثالثا ) أن كذبهم في هذه الشبهة صريح مكشوف ، لأن القسم المكي حافل بأقوى الأدلة ، وأعظم الحجج ، على عقيدة الإسلام في الإلهيّات ، والنبوّات ، والسمعيات . استمع إليه في سورة « المؤمنون » المكية وهو يرفع قواعد التوحيد ، ويزلزل بنيان الشرك إذ يقول : « مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » وإذ يقول في سورة الأنبياء المكية : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ، فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ